
قصة قصيرة من مجموعتى القصصية صدى الارواح
بقلم / أحمد درويش العربى
في أحد الأحياء القديمة، كانت تعيش أسرة محبة في منزل يُعرف باسم بيت العائلة. كانت الأسرة تتكون من الأب المحب لأسرته، وأبنائه: عادل، وسلمى، وفريد؛ أبناء متماسكين، مترابطين، يتقاسمون الحياة بأفراحها وأحزانها، وقد نقلوا ما تعلموه من والدهم إلى أبنائهم.
غير أن رحيل والدهم المفاجئ ترك فراغًا عميقًا في قلوبهم، وغيَّر ألوان أيامهم إلى رمادية باهتة.
لم يكن والدهم رجلًا عاديًا، بل كان رمزًا للحكمة، ومرآةً للطيبة، ومعلمًا للحب. وقد ترك وراءه صندوقًا من الذكريات، مليئًا بالصور والرسائل والمذكرات التي كان يدون فيها أدق تفاصيل أيامه.
كان الإخوة يجتمعون مساء كل يوم خميس من كل أسبوع في شقة أبيهم، يجلسون حول طاولة خشبية قديمة، ويتصفحون تلك الذكريات؛ لعلها تخفف من ألم الفقد، أو تشعرهم بأنه ما زال بينهم.
وذات ليلة، وبينما كانت سلمى تقرأ في إحدى المذكرات، توقفت فجأة. كانت هناك صفحة مختلفة، كتب فيها والدهم بخط يده:
“أبنائي الأحباء، لقد تركت لكم كنزًا سيغنيكم ما دمتم أحياء، أنتم وأبناؤكم من بعدكم. فلتبحثوا عنه بأنفسكم…”
ثم انقطعت الكلمات، وكأنها أُغلقت عمدًا دون شرح.
ساد الصمت، وبدأت الحيرة تتسلل إلى قلوبهم. ما هو هذا الكنز؟ وأين هو؟
مرت أيام وهم يبحثون في المنزل، وفي الكتب، وبين الأوراق القديمة، ولكن دون جدوى.
ومع مرور الأيام دون العثور على شيء، لم يزدهم الوقت إلا شكًا وارتيابًا، خاصة بعدما بدا أن شقة أبيهم تتعرض للعبث بمحتوياتها. فصار كل واحد منهم يلقي التهمة على الآخر.
ومع ازدياد اليأس وكثرة الاتهامات، اقترح وحيد، صديق عادل المقرب، فكرة غريبة.
قال:
“هناك من يستطيع مساعدتكم… شيخ يُقال إنه يستطيع استدعاء الأرواح والتواصل مع من رحلوا.”
ورغم ترددهم في البداية، وافق الإخوة.
وفي الليلة الموعودة، جاء الرجل. كان طويلًا، نحيلًا، ذا لحية غير مشذبة، وعيون باردة. جلس في وسط الغرفة، وأخرج أحجبة غريبة، ونثر الملح حول دائرة، وأشعل بخورًا كريه الرائحة.
ثم قال بصوت خافت، وهو يرفع يديه:
“أيتها الروح… يا من تركت السر… عودي وأرشدي أبناءك، فإنهم تائهون في ظلام الشك.”
فجأة، اهتزت النوافذ، وانطفأت الشموع، وبدأ صوت غريب يعلو من زوايا الغرفة… صوت لم يكن يشبه صوت أحد منهم.
“الكنز… ليس ذهبًا ولا مالًا… بل حبًّا ووِدًّا زرعته فيكم… لكنكم قتلتموه بالظنون، ومزقتموه بالجشع…”
صرخت سلمى، وتراجع فريد إلى الخلف مصدومًا، أما عادل فانفجر غاضبًا قائلًا:
“أهذا ما جنيناه؟ كنا إخوة، والآن أصبحنا غرباء!”
فتحت العيون ببطء، وتبادل الإخوة النظرات. كان كل منهم يرى في عين الآخر ما لم يره من قبل: الغضب، والخذلان، والحزن. لقد تفرقوا في رحلة بحثهم، وخسروا ما كان يجمعهم.
لقد ضاع الكنز.
بعد مغادرة الدجال، عمَّ الصمت المكان. تبادل الإخوة النظرات، وكل منهم يرى في عين الآخر ألم الخيانة وندمًا عميقًا على ما آلوا إليه.
فقالت سلمى بصوت متهدج:
“حتى الكنز الذي حلم به أبي… لم نكن أهلًا له.”
نظروا إلى بعضهم، والدموع تغمر أعينهم.
لقد ضاع الكنز…
لم يكن الكنز مالًا، بل كان الثقة، والمحبة، والروابط التي كانت أغلى من الذهب.
وظلت العيون معلقة ببعضها، وكأن سؤالًا واحدًا يدور بينهم، يبحث عن إجابة:
هل ما زال هناك أمل في استرجاع الكنز الحقيقي… أم أن الشك قد قتل كل شيء؟





